كتبه عبدالرحمن عمسيب – 4 ديسمبر 2025
يحدث أحيانًا أن يلتقي رجل بامرأة، فيشعر بأن كلّ ما حوله سكونٌ مباغت، وأن الزمن انكمش في ومضةٍ واحدة، فيظن أن القلب سبقَ العقل بخطوةٍ واثقة، ويُعلن ما يُسمّيه “الحب من أول نظرة”. غير أنّ هذا الشعور الذي نخلطه بالقدر ليس سوى انعكاسٍ عميق لبرمجةٍ أقدم منّا، برمجةٍ كتبتها الطبيعة في أدمغتنا حين كنّا نحبو على حواف البقاء. فالحب، في جوهره الأوّل، ليس قرارًا شعوريًا، بل تفاعل بيولوجي دقيق تكتبه الجينات قبل أن ينطقه اللسان.
يقول عالم الأحياء البريطاني ديزموند موريس في كتابه The Naked Ape إنّ ما نسميه اختيارًا عاطفيًا “ليس إلا امتدادًا لآليات البقاء التي طوّرتها الغريزة منذ فجر الإنسان”. فالدماغ لا يبحث عن الجمال بوصفه جمالًا، بل عن إشاراتٍ صامتة تُخبره بأن الجسد المقابل صحيٌّ، متوازن، وقادر على الاستمرار. ولهذا تميل المرأة، في المتوسط، إلى الرجل الذي يفوقها طولًا، لأن الطول كان، في ذاكرة التطوّر، علامة على القوة والحماية والبقاء.
تشير دراسات نُشرت في Evolution and Human Behavior (2004) إلى أن متوسط التفضيل الأنثوي هو أن يكون الرجل أطول من شريكته بنحو عشرين سنتيمترًا، وهي النسبة التي تمنح الدماغ شعورًا بالانسجام البصري والجسدي. أما النساء الأقصر قامةً، فميولهن أشد وضوحًا، إذ ينجذبن إلى رجالٍ يفوقونهن بخمسةٍ وعشرين سنتيمترًا أو أكثر؛ كأن اللاوعي يعوّض صِغَر الحجم بتضخيم رموز الأمان في الطرف الآخر.
لكن المفارقة تكمُن في أن بعض الرجال الواثقين من أنفسهم لا يبحثون عن المرأة الأقصر، بل عن المرأة الأطول أو الندية. ففي دراسة أجراها R. Dinklage وM. Zentner (2001) بعنوان Social Dominance, Self-Confidence, and Partner Height Preferences in Men، تبيّن أن الرجال ذوي الثقة العالية لا يرون في طول المرأة تهديدًا لذكورتهم، بل رمزًا للحضور والتوازن النفسي. إنهم يبحثون عن شريكةٍ تُعادلهم في الكينونة لا في المقاس، وكأن الطول يصبح استعارةً عن الندّية لا الغلبة. ويؤكد عالم النفس التطوري ديفيد بَس في كتابه The Evolution of Desire أن “الرجال الواثقين لا يحتاجون إلى تصغير الآخر ليشعروا بالتفوّق، بل ينجذبون إلى حضورٍ موازٍ لقوّتهم الداخلية.” الثقة، إذن، لا تخاف الطول، بل تنجذب إليه كمرآةٍ تُعيد إليها صورة الذات الواثقة.
ويُذكّرنا ريتشارد دوكينز في The Selfish Gene بأن “الاختيار الجنسي ليس فعلاً رومانسيًا، بل استراتيجية جينية خالدة لضمان البقاء.” فنحن لا ننجذب إلى الأشخاص فحسب، بل إلى رموز وراثية مغروسة في الصوت وتناسق الوجه ونسبة العضل إلى الدهن ونبرة السلوك. حتى الهدوء في الحركة أو دفء الصوت ليست صفات اجتماعية فقط، بل رسائل تطورية عن الصحة والسيطرة والطمأنينة.
أما ما نُسميه “الحب من أول نظرة”، فهو في ضوء العلم تزامنٌ كيميائي بين الدوبامين والإستروجين والتستوستيرون، يُحدث لحظة نشوةٍ خاطفة يتوهم فيها الدماغ أنه وجد “نصفه الآخر”. يصف ستيفن بينكر في كتابه How the Mind Works هذه الحالة بأنها “قرار بيولوجي يُتخذ في جزءٍ من الثانية قبل أن يصل الوعي إلى المسرح.” الطبيعة، ببساطتها العظيمة، وفّرت علينا التفكير الطويل، فزرعت فينا هذا الإعجاب الفوري كآليةٍ لضمان استمرار النوع.
ومع كل هذا التفسير العلمي، يبقى الإنسان كائنًا معقّدًا، لا يمكن اختزاله في معادلة هرمونية. فكما يقول يوفال نوح هراري في Sapiens، “نحن ما زلنا نحمل في داخلنا الحيوان القديم الذي يرتدي بذلة.” نعيش في مدن مضاءة بالكهرباء، لكننا نحبّ بعقولٍ صُمّمت لعصر الكهوف. نظنّ أننا نختار، بينما الجينات تختار قبلنا، ونحن فقط نُضيف القصيدة على القرار البيولوجي.
أنثروبولوجيًا، البشر كائنات رومانسية في المظهر، بيولوجية في الجوهر. فلسفيًا، الحب ليس مصادفة ولا قدرًا، بل تفاهمٌ عميق بين الغريزة والعقل. وعلميًا، “الذوق” ليس إلا طريقة الأجساد في أن تنتقي مستقبلها دون استشارةٍ من الوعي.
لكن رغم كل هذا، يبقى الحب سرّ الإنسان الوحيد الذي لم تفكّه المختبرات بعد. لأننا، مهما فهمنا تركيبته الكيميائية، سنظلّ نبحث فيه عن معنىً يتجاوز البقاء، عن لمسةٍ ترفعنا فوق قوانين الطبيعة ذاتها. فربما لم يكن “الحب من أول نظرة” وهماً كاملًا، بل نافذةً صغيرة تطلّ منها الروح على ماضيها البيولوجي، وتجد في ذلك الوهم الجميل سببًا آخر للاستمرار في أن تكون إنسانًا.
شتاء 2025
على شاطئ بحر ما .


2تعليقات