الذهب والجغرافيا السياسية: حالة السودان
عبدالرحمن عمسيب

​كلما ازدادت حدة التوترات بين الأمم الكبرى ونشأ احتمال لنشوب حرب إقليمية أو عالمية، يحدث “ركض جماعي نحو الذهب”. يُعد الذهب ملاذاً آمناً تقليدياً، يرتفع سعره مع تزايد حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي. منذ فترة، لاحظنا السعي الدؤوب من عدد متزايد من الدول لتجاوز هيمنة الدولار الأمريكي تماماً، في محاولة لفك الخناق الاقتصادي الذي تفرضه أدوات الهيمنة الأمريكية، ويظل الذهب هو المعضلة الكبرى للدولار. وكما قال الاقتصادي ألان جرينسبان ذات مرة: “إن الذهب هو المعيار الوحيد الذي يمنع المدخرين من فقد مدخراتهم”، ولهذا يحرص أنصار الهيمنة الاقتصادية على منع الادخار عبره ولطالما هاجموه بقوة.
​تكمن مشكلة السودان الجيوسياسية في امتلاكه كميات ضخمة من هذا العنصر الثمين، وذلك في زمن يشهد اضطرابات هائلة تزيد من أهميته الاستراتيجية عالمياً وإقليمياً. تُظهر الأرقام أن السودان ينتج، حتى في ظل ظروف الحرب والاضطرابات الحالية، ما يعادل ضعفي إنتاج كل الدول المحيطة به مجتمعة (من السعودية، ومصر، وإثيوبيا، وإريتريا، وجنوب السودان، والكونغو، وتشاد، وليبيا). وفقاً لبعض التقديرات، يمكن أن يصل إنتاج السودان في عام 2024 إلى حوالي 80 طناً من الذهب، وقد جاء معظمه من مناطق الشمالية، ونهر النيل، والبحر الأحمر. هذا الإنتاج الهائل، في مقابل دول جارة مثل تشاد التي بالكاد تنتج الذهب، يجعل من تشاد بؤرة استقطاب للمعدنين الذين يقصدون الأراضي السودانية الغنية.
​هذه المعطيات، إلى جانب المساحة الشاسعة والموقع الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر، تجعل من السودان هدفاً ليس للقوى الكبرى الباحثة عن تأمين احتياطياتها فحسب، بل للقوى الإقليمية أيضاً. تاريخياً واستراتيجياً، قد لا تكون منطقة دارفور هي المصدر الرئيسي للذهب، لكن السيطرة عليها تُعد ورقة استراتيجية ذات أبعاد جيوسياسية عميقة. الهدف من السيطرة على دارفور ليس بالضرورة نهب مواردها المباشرة، بل هي كرت ضغط وابتزاز لإجبار الحكومة المركزية على إعادة إنتاج أطراف معينة في النظام السياسي و هي قحت و حمدان ، مما يعطي الفرصة لهذه الدول مرة أخرى لممارسة النفوذ على الذهب، والأراضي الزراعية الوفيرة، والموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر .

​من منظور استراتيجي، يمكن اعتبار خيار الانفصال بمثابة قطع لهذه الحلقة المفرغة من الابتزاز. الانفصال يعني خسارة استراتيجية للدول التي تراهن على أطراف الصراع كوسيلة للوصول إلى ثروات البلاد. بالنسبة لأهل الشمال بمواردهم (الذهب والزراعة والبحر الأحمر)، يصبح الانفصال هو السبيل الوحيد للحفاظ على هذه الموارد ودرء محاولات الغزو والنفوذ الخارجي المستمر، وهو ما يمثل الخلاص من هذه المعادلة الجيوسياسية المعقدة.

عبدالرحمن عمسيب
3 ديسمبر 2025

تعليق

بيولوجيا الحب: عن وهم الحب من أول نظرة

ديسمبر 4, 2025

كتبه عبدالرحمن عمسيب – 4 ديسمبر 2025 يحدث أحيانًا أن يلتقي رجل بامرأة، فيشعر

  • likelove
    3
  • تعليق 1

النهر والبحر

أغسطس 31, 2025

مقال

  • wowhappylikelove
    9
  • تعليق 1